محمد جواد مغنية

302

في ظلال نهج البلاغة

واللَّه سبحانه وجميع رسله وأوليائه ذموا الدنيا بالنظر إلى هذا القسم الثالث . ومدحها الإمام في كلامه هنا بالنظر إلى القسم الثاني الذي يؤدي إلى رحمة اللَّه وجنته ، وكلامه صريح في ذلك : ( اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة ) بإرادتهم وحسن اختيارهم « وهديناه النجدين » : طريق الطاعة والمعصية ، الحسنة والسيئة : * ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه ُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * - 160 الأنعام . واذن فالذنب ذنبنا ، ولا ذنب للدنيا ، وبهذا نجد تفسير قول الإمام : ( أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ) . ( أتغتر بالدنيا ثم تذمها ) . أكثر الإمام من ذم الدنيا وهو زاهد فيها ، ونذمها ونحن لها عابدون ( متى استهوتك ، أم متى غرتك إلخ ) . . أنبأ اللَّه ورسله بمساوىء الدنيا ، وحذروا منها . وأيضا تكشفت هي عن كل ما فيها ، ولم تخف شيئا ، فأين الخداع والتغرير ( إن الدنيا دار صدق لمن صدقها إلخ ) . المراد بصدق الدنيا إعلان ما فيها من عبر وعظات ، وقد صرح الإمام بذلك في الخطبة 221 : « ما الدنيا غرتك . . لقد كاشفتك العظات ، وآذنتك على سواء » أما الذي صدقها فهو الذي انتفع بعبرها ، واعتبر بمواعظها . ويأتي قول الإمام : « ما أكثر العبر - في الدنيا - وأقل الاعتبار » أي المعتبرين والمتعظين . ( ودار غنى لمن تزود منها ) كل من جاهد وناضل لنصرة الضعيف وإنصافه من القوي فقد أخذ من دنياه ثروة لا حد لها ولا عد ( ودار موعظة إلخ ) . . عطف تفسير على دار صدق ( وقد آذنت ببينها إلخ ) . . أعلمت وأخبرت أهلها بلسان الحال انهم إلى فناء وزوال ، وما بعد هذه الجملة عطف تفسير عليها ( فمثلت لهم ببلائها البلاء ) تكشفت عن مساوئها حتى رأوها بالحس والعيان . ( وشوقتهم بسرورها إلى سرور ) رغبّتهم في كل عمل ينتهي بهم إلى جنة اللَّه ورضوانه ( راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة إلخ ) . . راحت : من الرواح أي العشي ، وابتكرت : من البكرة أي الغداة . والعافية : النعمة ، والفجيعة : النقمة . والمعنى ان الدنيا تمسي بخير ، وتصبح بشرّ ( ترغيبا ) في طاعة اللَّه وثوابه ( وترهيبا ) من معصيته وعقابه ( فذمها رجال غداة الندامة ) وهم الذين قصروا في العمل ، وندموا عند نقاش الحساب ، وكان الأولى بهم أن يذموا أنفسهم ، لأن الدنيا كشفت لهم عن عورتها بلا تضليل وحياء ( وحمدها آخرون إلخ ) . . وهم الذين أخذوا منها ما فيه الكفاية لنجاتهم يوم الفزع الأكبر .